يسهم البحث في سد الفجوة المعرفية حول إستراتيجيات التنمية في بيئة ما بعد الحرب، بتحديد أولويات العمل والاتجاهات المستقبلية للاقتصاد، عبر تقديم رؤية تحليلية قائمة على بيانات اقتصادية ومقاربات تنموية أثبتت نجاحها في دول أخرى.
أظهر تجاوز التحديات الاقتصادية بعد انهيار نظام الأسد ضرورة القيام بإصلاحات مؤسسية عميقة، مع وجود خطط اقتصادية متكاملة، والتركيز على القطاعات الإنتاجية، وتفعيل دور القطاع الخاص، بالإضافة إلى الاستفادة من رأس المال البشري داخل سوريا وخارجها.
أضرار اقتصادية بالغة
خلال 14 عاماً من الحرب على سوريا، عانى الاقتصاد السوري من حال الانكماش بنسبة 85%، بتراجع الناتج المحلي الإجمالي من 67.5 مليار دولار في 2011 إلى 8.98 مليار فقط في 2023، كما تدهورت قيمة الليرة السورية بشكل كبير، من نحو 45 و54 ليرة للدولار إلى أكثر من 13 ألف ليرة في 2023، ما أدى لارتفاع التضخم إلى 140% مقابل 4.8% في 2011، ودفع 96% من السوريين تحت خط الفقر من نحو 47.7% فقط في 2009، وفق البيانات الصادرة عن البنك الدولي.
ويعتبر التعافي الاقتصادي أمراً بالغ الأهمية لاستقرار سوريا، كما يحتاج إطاراً تشريعياً جديداً، وبيئة تجذب الاستثمارات، وإعادة بناء البنية التحتية، والحفاظ على السلام والنظام العام، التي تعد من أولويات الحكومة المستقبلية.
مع سقوط نظام الأسد بعد 54 عاماً على تواجده في السلطة، تواجه سوريا تحديات اقتصادية هائلة وفرصاً لإعادة الإعمار، قد تُغير ملامح الاقتصاد السوري ككل.
وتُشير التقديرات إلى أن تكلفة إعادة إعمار البلاد تصل إلى حوالي 300 مليار دولار، ما يجعل الدعم الدولي والإقليمي أمراً بالغ الأهمية، بحسب تقرير “فيتش سوليوشنز” الذي اطلعت عليه “العربية بيزنس”.
واقع الاقتصاد السوري بعد سقوط الأسد
يعاني الاقتصاد السوري اليوم من تراجع بعمليات الإنتاج وتوقف الكثير من الأنشطة الإنتاجية التي كانت تعد مصدر دخل لكثير من الأسر السورية، ما أدى لارتفاع نسبة البطالة التي بلغت وفق آخر إحصائية للمكتب المركزي للإحصاء العام الفائت 2024 نسبة 23.7%، مع توقعات مراقبين بتجاوزها اليوم حاجز الـ 30% اليوم، وقلة فرص العمل في القطاعين العام والخاص، بالتزامن مع تسريح عدد كبير من موظفي القطاع العام تحت بند البطالة المقنعة، إلى جانب تنامي أعداد عمالة الأطفال.
ويواجه النظام الاقتصادي السوري من عدة اضطرابات في الهوية الاقتصادية السائدة، والاختلالات الهيكلية للاقتصاد، واختلال العلاقة بين الاقتصاد والسياسة، كما برزت المشكلة الإدارية بصورة واضحة، من حيث كيفية إدارة هذا الاقتصاد وتنمية موارده ومؤسساته، ومعالجة الخلل والقصور في الأداء الاقتصادي العام، وتداخلت مظاهر الخلل الاقتصادي مع الفشل الإداري الممنهج، فأنتجت خراباً طالت تأثيراته الشريحة الأوسع من الشعب السوري.
انعكس التخبط الحاصل في بنية الاقتصاد السوري ذلك عدالة توزيع الثروة وتبديد الموارد، وعلى مستوى جودة حياة الأسرة السورية ومستوى رفاهيتها، مع تكريس ثقافة البيئة الاقتصادية المشوهة وسط مناخ استثماري طارد وهياكل مؤسساتية جامدة مترهلة ومنفصلة عن الواقع الاقتصادي الفعلي.
مؤشرات اقتصادية
تشير معظم المصادر إلى أن الناتج المحلي الإجمالي قد تقلص بنسبة تقترب من 87 %، مقارنة بعام 2010، وفقدان العملة السورية نحو 99 % من قيمتها، كما بلغ التضخم في السلع الاستهلاكية 300 %، وتضررت سلاسل التوريد المحلية والإقليمية والعالمية، ودُمرت البنية التحتية والمرافق العامة: (طرق، سكك الحديد، جسور، مدارس، شبكات المياه والكهرباء، مستوصفات، مشافي، المباني السكنية، المنشآت الصناعية)، في غالبية المدن والحواضر السورية، إضافة إلى تعطل مصادر النفط والطاقة والموارد الطبيعية بالعموم، والقطاع الزراعي على وجه الخصوص.
واقع القطاعات الاقتصادية
يمثل انهيار الاقتصاد السوري تحولاً هيكلياً يتجاوز نطاق الأزمات الاقتصادية الدورية، إلى تدمير القدرة الإنتاجية لا سيما في القطاع الزراعي، التي بدت واضحة في الأضرار الجسيمة التي لحقت ببساتين الزيتون وأنظمة الري، كما يشير إلى تفكك في أنظمة سبل العيش التي كانت تشكل الأساس الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع السوري تاريخياً.
ويتجلى هذا الدمار من خلال عدة آليات: التدمير المادي للأصول الإنتاجية، وتفكك شبكات السوق، وتآكل رأس المال البشري بسبب الهجرة القسرية، وانهيار منظومة الوساطة المالية.
اتبعت الحكومة السورية الجديدة نموذج اقتصاد السوق الحر التنافسي، ونتجت عن هذا الخيار مظاهر جديدة في الأسواق السورية، تتلخص بانتشار السلع الأجنبية، وتوفر الوقود بأنواعٍ متعددة، وإيقاف العمل بعدة تسعيرات للمواد المدعومة مثل الخبز والوقود.
حددت مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك سعر ربطة الخبز (12 رغيفاً) بسعر 4000 ليرة سورية (0.32 دولار)، بعيداً عن منطق العمل بالبطاقة الذكية، واعتمدت تحديد كمية الخبز وفقاً لعدد أفراد كل أسرة، كما يبلغ سعر تبديل جرّة الغاز سعة 7 كيلوغرامات سعر 160 ألفا تقريباً.
انخفضت أسعار الخضار والفواكه بشكل كبير منذ سقوط النظام، وتوفرت كذلك بعض أنواع الفاكهة الاستوائية بعد أن كان توافرها يقتصر على المحال في الأحياء الراقية، كما سجلت الدواجن واللحوم فقد انخفاضاً ملحوظاً، حيث تراجع بنسبة 40% في حالة اللحوم الحمراء بحسب جمعية اللحامين في دمشق، وعاد السمك للتوفر ضمن الأسواق السورية بسعرٍ أخفض من الدجاج لبعض الأنواع، مع حضور لافت للحوم المجمدة المستوردة ضمن السوق السورية.
وشهدت مواد البقالة انخفاضاً واضحاً في الأسعار بنحو 50% تقريباً لمعظم المواد الأساسية كالسكر والزيت والطحين، وعادت الأنواع المفقودة للتواجد على رفوف محال الجملة والمفرق بعد تدفقها من المناطق المحررة أو من خارج الحدود..
ومع انتشار البسطات الكثيف ومن ضمنها الثياب المستعملة (البالة)، بدأت بعض متاجر الثياب بتخفيض أسعارها، كما حولت العديد من المتاجر نشاطها الأساسي لتصريف العملات الأجنبية.
بالمقابل، يشهد سوق العقارات في سوريا حالة من الجمود والركود بحركة البيع والشراء، بعد أن توقفت إجراءات نقل الملكية العقارية في دوائر السجل العقاري والسجل المؤقت في مختلف المحافظات، بينما نشط سوق تأجير الشقق السكنية في عدد من المحافظات لا سيما ضمن العاصمة وريفها، لتوافد الآلاف من السوريين العائدين إلى البلاد بزيارات طويلة أو للاستقرار بعد سنوات النزوح والهجرة واللجوء.
تأثيرات مباشرة على المواطن
تعتمد مرحلة بناء الاقتصاد السوري على تحسين الوضع المعيشي للمواطنين، الذي يعيش أكثر من 90% منهم تحت خط الفقر، ويعاني 12.9 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي، بالإضافة إلى هشاشة بنية الاقتصاد وتراجع الموارد وضعف الرواتب والأجور، وعدم ملاءمتها لنسب الزيادة الحاصلة في أسعار السلع الأساسية اليومية، التي تشكل مطلباً ملحاً للتمتع بحياة كريمة.
وتأثر غالبية الموظفين في سوريا بمسألة حبس السيولة النقدية من قبل مصرف سوريا المركزي وتحديد المصارف سقف السحب بـ2.5 مليون أسبوعياً، و500 ألف كأعلى مبلغ للسحب الواحد، الذي انعكس بدوره على المبالغ المتداولة في عمليات البيع والشراء الكبرى كالعقارات والسيارات.
وتشكل عودة اللاجئين السوريين من المخيمات إلى الداخل السوري تحديات كبيرة للسلطات الحكومية الجديدة، بعد تسجيل وصول نحو 450 ألف لاجئ عبر الحدود الدولية إلى ديارهم، وما يقارب 1.2 مليون نازح داخلي رحلة العودة إلى مناطقهم الأصلية، التي لا تزال مدمرة وينقصها الكثير من الخدمات.
تتجاوز مسألة عودة المهجرين السوريين قضية حقوق الملكية، لتشمل أموراً وصفها البعض بالمعقدة بين عدة قضايا أبرزها الأمن والضعف الاقتصادي والمكانة الاجتماعية، بالإضافة إلى الظروف المادية وصعوبة استعادة ممتلكاتهم بدون وثائق، حيث أظهرت بيانات المسح أن 20% فقط من اللاجئين السوريين يمتلكون وثائق تثبت ملكيتهم للسكن أو الأراضي أو الممتلكات، ما يعكس عمق أزمة حقوق الملكية التي تواجه العائدين.
وتشير الأبحاث إلى بلوغ معدلات انتشار اضطراب ما بعد الصدمة نسبة 55.5%، كما سجل الاكتئاب نسبة 33.5%، بين اللاجئين السوريين، ما يعكس أزمة صحة نفسية خطيرة، وجزءاً من المشهد النفسي الاجتماعي الأوسع الذي يشكل واقع العودة، والذي يشمل تآكل الثقة الاجتماعية، وانهيار آليات التضامن المجتمعي، وتبدل الهويات الاجتماعية بفعل تجربة النزوح.
لا تزال هناك فجوة كبيرة بين عدد العائدين والفرص الاقتصادية المتاحة، مما قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة، ويبقى التحدي الأكبر هو القدرة على تحويل هذه العودة إلى فرصة لإعادة بناء الوطن، من خلال سياسات فاعلة وشراكات دولية مستدامة، ورؤية استراتيجية تستند إلى العدالة الاجتماعية والتنمية الشاملة.
خطط إصلاح الاقتصاد السوري
تتجه الأنظار اليوم إلى تحديد القطاعات الأكثر أهمية لإعادة الإعمار والتنمية، والوقوف على الإصلاحات المطلوبة لإنعاش الاقتصاد السوري وتحريره من العقبات الهيكلية، بالإضافة إلى دراسة كيفية توظيف التخطيط الإقليمي والعمراني في تحفيز التنمية الاقتصادية.
تتطلب عملية التعافي المُبكر وإعادة الإعمار تعاوناً دولياً وعربياً ومحلياً، إلا أن إدارة هذه العملية تقع على عاتق الإدارة الجديدة في سوريا، وبالتحديد الإدارة المعنية بالشأن الاقتصادي، عبر الانتقال والتحول وفق منهجية علمية واضحة وصارمة، لا تقبل التجريب أو الارتجال.
تحديات كبيرة تلازم أي عملية نهوض جديدة، كما تترافق مع متطلبات العمل ضمن أرضية صلبة ومقومات أبرزها امتلاك العقلية المرنة القادرة على التخطيط والتنظيم والتنفيذ والمراقبة، لا سيما في مرحلة تعديل الاتجاه وإعادة رسم الطريق من جديد، وهنا لا بد من التوجه لأهل المعرفة والدراية، أي الاستعانة بالخبراء والمتخصصين، بالإضافة إلى مراكز البحوث والدراسات وأصحاب الخبرات العملية.
تحديد رؤية الدولة حول هوية الاقتصاد في سورية الجديدة، وتحديد الخيارات المطروحة، وتبيين دور الدولة في النشاط الاقتصادي، ووضع خطة للتعامل مع الارتدادات الاجتماعية، هي أولى خطوات التعافي المُبكر للاقتصاد السوري، في حال اعتماد توجه اقتصاد السوق الحر، وسط التراجع الكبير على كافة الصعد.
خطة إعادة الإعمار في سوريا
تتطلب عملية إعادة إعمار سوريا جهوداً ضخمة وموارد كبيرة، وتؤكد التقارير أن حجم الأضرار في البنية التحتية والمباني السكنية يصل إلى مئات المليارات من الدولارات.
ويعكس النقص الحاد في تمويل إعادة إعمار سوريا – إذ لم يتعهد سوى بـ 71 مليون دولار أمريكي من أصل 575 مليون دولار مطلوبة من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لبرامج العودة – تناقضات أعمق في بنية الاقتصاد السياسي الدولي لما بعد الصراع.
ولا يمكن تفسير هذا العجز المالي ببساطة على أنه نتيجة لإرهاق المانحين أو تضارب الأولويات، بل يتقاطع مع حسابات جيوسياسية معقدة، وأنظمة العقوبات السارية، والتحوّلات في مفاهيم السيادة وشروط تقديم المساعدات الدولية.
وتلعب الأطراف المعنية بدعم خطة إعادة إعمار سوريا دوراً رئيسياً بتسريع عملية التعافي المُبكر، بدءاً بالحكومة السورية المسؤول عن تحديد الأولويات والأمم المتحدة، الدول العربية، المنظمات غير الحكومية، والمجتمع المدني بوصفه الفاعل الأساسي في تقديم الدعم الفني واللوجستي وشريك في عملية اتخاذ القرار.
خطة إنقاذ الاقتصاد السوري
بعد اعتماد خارطة الأهداف الذكية من قبل الجهة الإدارية، يبدأ التركيز على اختيار الطرائق والآليات المطلوبة والملائمة للوصول إلى تحقيق الأهداف المعلنة التي تم تبنيها، واختيار النماذج العملية التي يمكننا الاعتماد عليها، وتحديد التجارب السابقة والحالات المشابهة، وكيفية الاستفادة منها.
ما نحتاجه اليوم هو تحديد حجم الاحتياجات المالية بكل قطاع، واقتراح مصادر التمويل (داخلية – خارجية)، مع اقتراح تحديد شكل التمويل (قروض، هبات وتبرعات، عيني، نقدي)، واقتراح خطة تخصيص الأموال وكيفية إنفاقها، والمباشرة بأعمال البنى التحتية، بالتوازي مع قطاع الاتصالات والطاقة والمياه، حيث تسهم هذه القطاعات في الإسراع بتحقيق الاستقرار وتوطين الموارد البشرية والمالية والمادية.
كما تفرض سرعة التعافي الاقتصادي التركيز على قطاعي النفط والزراعة، بوصفهم قاعدتين أساسيتين للاقتصاد السوري، ودورهم في رفد الناتج الإجمالي المحلي بما يقارب 50 % قبل عام 2011.
مع الإشارة إلى منح مرونة أكبر في قطاع التجارة الخارجية، عبر تطوير التشريعات المالية والجمركية بما يخدم مرحلة إعادة الإعمار، ولا سيما ما يتعلق بمنتجات الاستثمار وقطع التبديل والمنتجات نصف المصنعة، ودعم مشاريع ريادة الأعمال والابتكار التقني لدى فئة الشباب.
وتسهم عملية المباشرة بخلق بيئة استثمارية جاذبة، وإجراء إصلاحات هيكليه إدارية وقانونية عاجلة، خطوة مهمة لضمان تحقيق الشفافية في عمليات إعادة البناء، مع تبني برنامج جذب الخبرات المهاجرة، من خلال تشكيل فريق تواصل متخصص مع الجاليات السورية في دول المهجر، وصياغة برامج استقطاب ودعم قدرات وخبرات محلية، من خلال وزارة التنمية الإدارية.
ولكي نتمكن من اختيار الآليات والطرائق لتحقيق الأهداف في كل قطاع، يجب علينا معرفة الجداول الزمنية والمواقيت لعمليات الإنجاز، ومتابعة تنفيذ الخطط قصيرة ومتوسطة وطويلة الأمد، تبعاً لطبيعة العمل والنشاط والتكاليف، بحيث تكون هذه الخطط متسقة مع الإطار الزمني للتخطيط الاستراتيجي لكل قطاع من القطاعات الاقتصادية.









