بعد سلسلة من اللقاءات التي جرت خارج الأراضي السورية، شارك فيها الرئيس السوري أحمد الشرع وبعض المسؤولين، بدأ يتضح وجود تنافس حاد بين محورين إقليميين. يقود الأول أبوظبي، والثاني باكو، ويسعى كلا المحورين إلى استقطاب إسرائيل لصالحه بهدف إعادة تشكيل خريطة المنطقة وفق مصالح خاصة غير معلنة.
الضحية الكبرى في هذا التنافس هي سوريا، التي يُتفاوض بشأنها دون حضور شعبي أو تمثيل وطني حقيقي.
محور باكو: قناع الأمن والاتفاق الإقليمي
تُعقد اللقاءات تحت رعاية أمنية تركية في العاصمة الأذربيجانية باكو، وتركّز على إعادة ترتيب الوضع الحدودي مع إسرائيل، خصوصًا جنوب سوريا، مع السعي إلى إبعاد الملف الإيراني عن الواجهة.
تتضمن المقترحات إنشاء مكتب تنسيق غير دبلوماسي بين تل أبيب ودمشق، وتفعيل اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974.
في المقابل، تتسرب معلومات عن دعم اقتصادي خارجي مصدره أذربيجان، وتحالف استراتيجي من أنقرة. أما تل أبيب، فستكون شريكًا أمنيًا مؤقتًا يخدم مصالح تركيا دون المساس بـ”القضية المركزية” أي فلسطين، وفق ما يروج له هذا المحور.
هكذا، تُزجّ سوريا في لعبة المحاور من بوابة الأمن والطائرات المسيّرة والأجواء المفتوحة، وتُستخدم كـ”ذراع حدودي إقليمي” في مواجهة النفوذ الإيراني.
محور أبوظبي: الاقتصاد والاستقرار ونعومة التطبيع
يدخل ضمن صفقة إقليمية كبرى تصل تداعياتها إلى غزة وسيناء، وتشمل مفاوضات لوقف إطلاق النار، وإصلاح بنية السلطة الفلسطينية في رام الله، وتمويل إعادة الإعمار مقابل ضبط الفصائل المسلحة كحماس.
سوريا تغيب مجددًا عن طاولة التفاوض، لكن الرسائل واضحة: لن يُعاد إدراجها كطرف فاعل إلا من بوابة الاقتصاد والاستقرار، لا من بوابة السلاح والأمن.
في هذا المحور، تُقدَّم إسرائيل كـشريك استراتيجي دائم، وليس مؤقتًا كما في باكو، وتُدمج ضمن البنية الإقليمية الجديدة كضامن أمين للمصالح.
كما هو الحال في المحور الأول، يتم توظيف سوريا كواجهة ناعمة لاتفاقات تمرّر مع إسرائيل، مقابل صمت رسمي يُباع على هيئة “استقرار”.
المستفيد الأكبر… والغائب الحاضر
هذا الصراع الإقليمي المعقّد يستغل الهشاشة السورية لتحقيق مكاسب لا تصب في مصلحة الشعب أو الدولة، بل تخدم مصالح القوى المتصارعة.
تُقدَّم إسرائيل كلاعب محوري يستفيد من الانقسام العربي التركي، فتكسب في باكو حدودًا وأمنًا، وفي أبوظبي شرعية وموارد واستقرارًا سياسيًا.
أما سوريا، فـالحاضر الغائب، حيث يُتفاوض عليها لا معها، ويُستخدم ملفها لخدمة طموحات الآخرين. هذا الوضع يهدد أمنها القومي، وقد تجد نفسها لاحقًا عالقة بين المحاور دون قدرة على التحرك أو اتخاذ قرارات مفصلية.
اتفاقيات هشة… وخيارات قاسية
يرى بعض السياسيين المطلعين أن هذه الاتفاقيات – إن تمت – هشة بطبيعتها، لأنها تستند إلى تفاوض من كتلة انتقالية لا تحظى بتمثيل شرعي أو دستوري حقيقي. دوليًا، تُوصَف هذه الكتلة بأنها مؤقتة، وعلى الأرض، فهي فاقدة للسيطرة على أجزاء واسعة من البلاد.
عدم شرعية التمثيل هذا سيُحاسب عليه لاحقًا، سواء داخليًا أو خارجيًا.
وتطالب بعض الأطراف فاروق الشرع، الذي يقود هذه الكتلة، بـالاختيار بين المحورين، لكنها في الوقت نفسه تشدد على ضرورة عدم تورّط سوريا في تحالف جديد، إذ يُخشى أن يتم استخدامها كأداة مؤقتة، ثم إما تُسحق من قبل المحور الآخر أو تُلقى مجددًا في الحضن الإيراني عند أي انقلاب سياسي مرتقب.
غياب الشعب… الأزمة الأعمق
النقطة الأكثر ألمًا هي أن الجميع يفاوض على سوريا دون سوريا، في انتهاك واضح للسيادة الوطنية.
تُختزل القضية السورية إلى مجرد “أداة” في يد المحاور الإقليمية، وتُعقد الاتفاقيات في الظلام، بينما يُقصى الشعب عن المشهد السياسي والإعلامي.
يتلقى المواطن السوري أخباره من ناشطين ومؤثرين عبر الإنترنت، تغلب عليهم الانحيازات والتكهنات، فيما يُمارس التعتيم على كل ما يتعلق بمستقبل البلاد.
وفي النهاية، لن يكون السؤال “متى تم البيع؟”، بل “لمن تم البيع؟”، فالرئيس العربي – في هذا الإقليم – يسير في حقل ألغام، ويكافح لحماية نفسه وشعبه وسط تناقضات قاتلة.
الرسالة الأخيرة
الشرع وكتلته يفاوضون باسم سوريا، لكن الاختيار بين المحورين ليس خيارًا سياديًا، بل مجرد بحث عن من سيستخدم البلاد لمصلحته الخاصة.
سواء تم الميل نحو محور أبوظبي أو باكو، النتيجة واحدة: فقدان السيطرة على القرار السوري، وانعدام الخيارات الحقيقية أمام الشعب السوري الذي لا يُستشار في مصيره.
يبقى السؤال قائمًا: متى حدث ذلك؟ ولمن؟
الجواب سيظهر عاجلًا أم آجلًا، لكنه سيكون بلا صوت… وبألم مرير.









