شهدت سوريا خلال السنوات الماضية تحولات اجتماعية وسياسية عميقة، كان من أبرز انعكاساتها صعود وسائل التواصل الاجتماعي كأدوات مركزية في التعبير عن الرأي وتشكيل الوعي الجمعي. لم تعد هذه الوسائل مجرد أدوات ترفيهية أو تواصلية، بل تحولت إلى فضاءات بديلة للإعلام التقليدي، ومجالات للتأثير في الرأي العام السوري، سواء داخل البلاد أو في الشتات. تبرز هذه الورقة أهمية فهم التفاعلات الرقمية للسوريين، في ظل تعقيد المشهد المحلي وتعدد القوى الفاعلة فيه، وتأثيرات التكنولوجيا التي باتت تُستخدم أحيانًا بشكل مجزأ وغير متكافئ.
الرأي العام وتحولاته في ظل صعود المنصات الرقمية
على الرغم من التحديات، لم تكن سوريا معزولة عن الانخراط في الفضاء الرقمي العالمي. ومع انتشار الإنترنت تدريجيًا، أصبحت منصات مثل فيسبوك، تويتر، يوتيوب، وإنستغرام أدوات مركزية لتبادل المعلومات وخلق مساحات جديدة للتعبير.
هذه الوسائل لم تعُد تكميلية بل أصبحت بديلة للإعلام الرسمي، حيث أفسحت المجال أمام أصوات كانت سابقًا مهمشة أو مقموعة، وساهمت في خلق بيئة متعددة الآراء والتوجهات، بل وتشكيل أفكار مستقبلية متباينة تعكس تنوع المجتمع السوري.
تحديات الوصول الرقمي وعدم تكافؤ التمثيل
رغم الإمكانات الكبيرة التي تتيحها المنصات الرقمية، فإن الواقع السوري لا يزال يواجه عقبات هيكلية تحد من عدالة الوصول، أبرزها تدهور البنية التحتية، والرقابة الحكومية، والأوضاع الاقتصادية.
هذا التفاوت ينعكس مباشرة على تمثيل الفئات المختلفة في الفضاء الرقمي، حيث تحظى بعض المجموعات بفرصة أكبر للتعبير، بينما تظل أخرى على الهامش. وقد أدى هذا التفاوت إلى بروز آراء منحازة أو مهيمنة على الخطاب الرقمي، ما جعل من الضروري دراسة العلاقة بين الإمكانية التكنولوجية وتمثيل الرأي العام الحقيقي.
الرقابة والمعلومات المضللة كمعضلتين متلازمتين
تسعى السلطة السورية إلى التحكم بالمشهد الرقمي من خلال أدوات رقابية مباشرة أو غير مباشرة، تحت ذريعة الحفاظ على الأمن والاستقرار.
إلا أن هذه الرقابة تُقيّد حرية التعبير، وتدفع العديد من الأفراد للجوء إلى وسائل بديلة أو متخفية. في المقابل، تعاني البيئة الرقمية السورية من تفشي المعلومات المضللة وغياب مصادر مستقلة وموثوقة، ما يجعل من وسائل التواصل بيئة خصبة للشائعات والتضليل، وهو ما يؤثر سلبًا على تشكيل الرأي العام، ويفتح المجال أمام مؤثرين رقميين أو جهات خارجية للتأثير أو توجيه النقاشات العامة بما يخدم أجندات خاصة.
التفاعل العابر للحدود وأثره في تشكيل الرأي العام
نظرًا للطبيعة الجيوسياسية للصراع السوري، فإن النقاشات الرقمية لا تتشكل بمعزل عن التفاعلات الدولية. إذ أن النقاشات على المنصات العالمية، والمواقف الرسمية للدول والمنظمات، تترك أثرًا مباشرًا على آراء السوريين، سواء داخل البلاد أو في الشتات. وتشكل مفاهيم مثل الانتماء، الهوية، والخوف من المجهول أو من عودة الصراع، عوامل عاطفية ونفسية تتداخل بقوة في تشكيل مواقف السوريين الرقمية، وهو ما يعقد صورة الرأي العام ويجعلها متعددة الأبعاد.
سيناريوهات مستقبلية للرأي العام الرقمي
يصعب الجزم بمستقبل الرأي العام في سوريا، خاصة في ظل الغموض السياسي والتغيرات التقنية المتسارعة. إلا أن رفع مستوى حرية التعبير، وانخفاض حدة الرقابة في حال حدوث تغييرات سياسية جذرية، قد يُسهم في توسع فضاءات التعبير الرقمي وتطور أشكال جديدة للتفاعل الاجتماعي والسياسي. كما يُتوقع أن تنشأ منصات محلية أو إقليمية تركز على التعبير الحر والتفاعل المجتمعي، مما يجعل من التكنولوجيا الرقمية محركًا مركزيًا في إعادة بناء الوعي الجمعي السوري.
لقد فتحت وسائل التواصل الاجتماعي في سوريا أفقًا جديدًا للتعبير والتفاعل، إلا أنها جلبت معها تحديات جوهرية تهدد مصداقية وحيادية الرأي العام.
ويظل فهم ديناميكيات هذا الفضاء الرقمي ضرورة ملحّة، تفرضها الحاجة إلى بناء مجتمع رقمي متوازن، يعزز من حرية التعبير ويكافح المعلومات المضللة، ويعيد تشكيل المشهد الإعلامي والاجتماعي في سوريا.
إن رسم ملامح مستقبل الرأي العام مرهون بتحقيق عدالة الوصول الرقمي، وتوفير بيئة حرة وآمنة للنقاش، وتعزيز الوعي النقدي لدى المستخدمين.









